Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

البوليساريو قيادة وقضية

 سعيد زروال

يعتبر النظام الصحراوي من الانظمة الثورية التي تبنت النهج الماركسي على الطريقة الكوبية مظهرا والأسلوب السياسي على الطريقة الليبية تسييرا ، وقد جسدت جبهة البوليساريو بعد سأسيسها ممثلتا في النظام الحاكم وحدة الحزب والدولة ، وبحكم متطلبات القضية الوطنية تحول النظام الحاكم إلى الممثل (الشرعي) والوحيد للدولة والقضية الصحراوية ، وتشكلت لدى البعض خاصة لدى البسطاء في القاعدة الشعبية نظرة قداسة للقيادة الحاكمة لا تقل قداسة عن القضية الوطنية نفسها، فهل القضية هي القيادة ؟ وهل المساس بالقيادة يعتبر مساس من ثوابت ومقدسات القضية ؟ وماهي الثأثيرات المستقبلية التي قد تتكبدها القضية بسبب تاريخ قيادتها ؟ وما هو مستقبل البوليساريو قيادة وقضية في ظل مخطط بيكر ؟ .

·   قيادة البوليساريو بين الشرعية والمشروعية …

الشرعية وهي الصفة التي تطلق على كل نظام ديمقراطي وصل إلى سدة الحكم عبر صناديق الإقتراع الشفافة والنزيهة ، أما المشروعية فهي الصفة التي تضفى على الانظمة الديكتاتورية والإستبدادية التي تصل إلى الحكم عبر طرق "ملتوية" قد تتخذ أسلوب الانقلابات العسكرية أو الإنتخابات الصورية أو "سيناريوهات المؤتمرات الشعبية " وهي الوسيلة التي دآبت قيادة البوليساريو عليها لتبرير مشروعيتها في الدولة الصحراوية وذلك لخشيتها من المجازفة بورقة الديمقراطية في الساحة الداخلية الصحراوية وذلك لضمان البقاء في السلطة أطول زمن ممكن ، وهو مامن شأنه أن يصبح مهددا بعد الدخول في العملية الديمقراطية الشفافة التي تشكل عقبة في وجه بعض  من قادة البوليساريو الراقبين في تقمص مناصب عليا والحفاظ عليها وهو ما توفره لهم المؤتمرات الشعبية المستوردة من الجماهيرية الليبية ، هذه المؤتمرات التي تخرج دائما بنتائج مناقضة لرغبة القاعدة الشعبية التي يفترض أن تكون هذه المؤتمرات إفرازا مباشرا لها ولا تأتي نتائجها على نقيض الرآي العام الصحراوي فحسب بل تأتي حتى على نقيض المندوبين المشاركين في المؤتمرات الشعبية أنفسهم ، وذلك ماتعكسه مداخلاتهم الناقمة في أغلبها على الممارسات القيادية ، ليصاب الجميع بالذهول بعد إعلان النتائج بعودة كل الذين وصمهم المتدخلين بالخيانة واللامسؤلية ومن الباب الواسع إما عن طريق الامانة أو الحكومة ، فكل من أخرج من بوابة الأمانة يعود إلى القيادة من نافذة الحكومة وأصبحت بذلك القيادة الصحراوي أشبه بمن يلعب لعبة القط والفأر مع القاعدة الشعبية ، ويعود سبب الخلل في ذلك إلى فشل سياسة المندوبين عن الدوائر الإنتخابية في المؤتمرات الشعبية العامة ، وعدم قدرة هؤلاء على إحداث التغيير ولاعلى التعبير عن الإرادة السليمة لمناضل البوليساريو العادي ، وهذا راجع إلى أن جل  المندوبين المشاركين في المؤتمرات الشعبية العامة محسوبين بطريقة أو بأخرى على الخط السياسي الذي ينتمي إليه النظام الحاكم ، وبالتالي يرى هؤلاء المندوبين أن إجراء أي  تغيير على هرم السلطة في البوليساريو سيؤثر من دون شك سلبا على مستقبلهم السياسي، وبالتالي أصبحوا مجبرين على المجازفة برغبة القاعدة الشعبية في التغيير  من أجل الحفاظ  على مناصبهم  داخل  الجبهة.

 وهذا الخلل هو الذي يؤدي إلى حصول فارق كبير بين ما  تنادي به  القاعدة الشعبية وبين  ما  تخر ج به  المؤتمرات الشعبية من نتائج.

·   القيادة الصحراوية من 1976 إلى 1988 …

لقد إنتهجت القيادة الصحراوية منذ إستلائها على الحكم في الدولة الصحراوية عبر المشروعية الثورية سياسة داخلية صارمة تجاه القاعدة الشعبية مبنية على أساس  إحتكار الساحة السياسية والخطاب السياسي من قبل فئة قليلة من القادة والموالين للنظام الحاكم ، مما أدى إلى تعاظم خطر البيروقراطية بشكل واضح بعد إندماج الجبهة كـ بناء حزبي والدولة ككيان سياسي، وتحول ديكتاتورية الحزب تدريجيا إلى ديكتاتورية الدولة بقيادة المكتب السياسي  وأصبحت هذه الدكتاتورية ذات صبغة جماعية تختلف عن الديكتاتوريات الفردية التي عرفتها الكثير من الدول الشمولية ، وهو ما يشكل في نهاية المطاف تملص من تحمل المسؤولية ، وعدم بلورة الوعي الاشتراكي الحقيقي بما فيه الكفاية بين صفوف الشعب، والإكتفاء بمظاهر أو قشور الاشتراكية وهو ما ساهم في إنتشار فظيع لظاهرة عبادة وتقديس الشخصية ، و تهميش العملية الديمقراطية وتحويل كافة المنظمات المهنية إلى تابع لسياسة النظام القائم  ولهيمنة الدولة وأجهزتها وخنق الآراء المغايرة ، بل وتصفية عشرات الأشخاص الذين كانوا على رأي مخالف لرأي سلطة جبهة البوليساريو ، وهذا في غياب توجيه أي تهم حقيقية للضحايا الأبرياء أو حتى عرضهم على أي محاكم سوى كانت مدنية أو عسكرية، وقد أنتجت هذه السياسة القمعية في نهاية المطاف تذمر شعبي كبير كاد أن يعصف بالنظام الحاكم في الدولة الصحراية وقد تجلى ذلك الغضب والتذمر في أحداث 1988 التي أحدثت شرخا عميقا في الصور القيادي للبوليساريو ، وكان من المتوقع أن تحدث تغيرات جذرية على النظام القــــائم في البوليساريو بعد أحداث 1988 ، إلا أن قدرة النظام الحاكم على التكيف مع المستجدات الداخلية وإنتهاجه لسياسة التراضي (المؤقت) مع بعض الأطراف المتضررة من الحقبة السابقـة ساعده على الصمود وحال دون إجراء التغيرات المتوقعة في هرم السلطة الحاكمة.

·   هل القيادة هي الدولة وهي القضية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

لازال هناك الكثير من المواطنين في القاعدة الشعبية يخلطون بإرادتهم أو من دونها بين النظام الحاكم أو (القيادة) وبين الدولة والقضية الصحراوية ويعتبرون ان أي سب للنظام الحاكم يعتبر مساسا بإحدى مقدسات الدولة الصحراوية ، إلا أن هذا الخلط بين القيادة الحاكمة والدولة الصحراوية قد يجلب الكثير من المآسي والويلات للدولة والقضية الصحراوية وهذا بحكم تورط الكثير من أفراده في تجاوزات داخلية كان لها الأثر السلبي على إنسجام القاعدة الشعبية ومهازل خارجية كادت أن تعصف بالمكانة الدولية للبوليساريو إلى الهاوية ، ومنه فلا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيف النظام الحاكم الحالي والدولة الصحراوية في نفس المصاف  ، لأن هناك فرق شاسع بين النظام الحاكم والدولة المحكومة فالنظام الحاكم معرض للزوال في أي لحظة وتحت أي ضغط كما جرى لنظام صدام حسين الذي تحول بين أمسية وضحاها من رئيس للدولة العراقية إلى أسير لدى القوات الامريكية ، ولا يشكل زوال النظام خاصة إن كان غير شرعي خطرا محدقا على مستقبل الدولة بقدرما يشكل زوال الدولة خطرا محققا عليها وعلى نظامها الحاكم وبدرجة كبيرة على مواطنيها البسطاء بسبب قلة حيطتهم لإحتمال زوال دولتهم من الوجود ، وإتكالهم في شؤون حماية وإستمرار دولتهم على النظام الحاكم ، وقد تعاظم خطر الزوال كثيرا على الدولة الصحراوية خاصة مع إستمرار عصر الضعف السياسي في هرم السلطة الحاكمة وقبولها بالدخول في مخطط بيكر الذي يهدد بنسف كل مكاسب الدولة الصحراوية التي عمرت زهاء الثلاثة عقود.

·   مستقبل البوليساريو قيادة وقضية في ظل مخطط بيكر

لقد أقدمت القيادة الصحراوية على خطوة الاستفتاء عام 1991 دون أي إستشارة للقاعدة الشعبية ، لتجد نفسها وبعد أكثر من عقد من الزمن أنها قد وقعت في فخ نصبه لها وبعناية فائقة العدو المغربي دون أن يعي عباقرتنا ذلك إلا بعد فوات الآوان. ليحاولوا اليوم الدخول إلى طريق مسدود آخر وهو مخطط بيكر الثاني الذي أبدوا عليه من التحفظات مايجبرهم على رفضه جملتا وتفصيلا ، خاصة وأنهم كانو السباقين إلى الموافقة عليه حتى قبل العدو نفسه وهم بذلك أشبه بدور "الحلمة" في المثل الشعبي الصحراوي " تحكاك الحلمة أعلى الشراطة "، فبغض النظر عن الفجوات الكثيرة التي في المشروع والتي ستجعل من الصحراويين في مرمى حجر من النيران المغربية دون أي حماية دولية أو ذاتية بفعل الوضعية المهينة التي ستفرض على الجيش الصحراوي في ظل هذا المخطط ، هناك الكثير من الفجوات الخطيرة الاخرى في وثيقة بيكر فالوثيقة تعلن في الفقرة الاولى أن الاتفاق أبرمته المملكة المغربية وجبهة البوليساريو فيما بينهما ويدرج جبهة البوليساريو في آخر الوثيقة في عداد الجهات الخمسة الموقعة على "الاتفاق" ولم يرد إسم الجبهة في أي مكان آخر من الفقرات العشرين للوثيقة على خلاف العدو المغربي الذي يتمتع بمركز الجهة الفاعلة في كافة مراحل العملية المقترحة ، ويعتبر هذا تجاهل خطير للجبهة كطرف رئيسي في الصراع وهذا ما يدعم الاطروحة المغربية القائلة أن الصراع "جزائري مغربي"، وهو ما ينذر بتهميش الشعب الصحراوي من العملية على غرار الشعب الكشميري الذي أصبح رهينة لتجاذبات العلاقات الهندية الباكستانية .

وبعد هذا التجاهل الكبير للجبهة كطرف في الصراع تأتي قضية ضمانات النتائج المتمخضة عن المشروع فقيادة البوليساريو قد وافقت على مخطط غير مضمون النتائج خاصة اذا كانت نتيجة ذلك المشروع هي الاستقلال عن العدو المغربي ، فالامم المتحدة ليس بمقدورها ضمان نتيجة الاستفتاء المزمع عقده بعد 5 سنوات من الحكم الذاتي وهذا ما أكده الامين العام كوفي عنان عندما صرح " أنه لايكون بمقدور الامم المتحدة إجراء إستفتاء حر ونزيه يقبل الطرفين بنتائجه ، ولن تكون هناك أي آلية لإنقاذ تلك النتائج" وهذا يعني ان أن "قيادتنا" هي بصدد الدخول إلى مخطط غير مضمون النتائج وهذا بخلاف معظم الحركات التحررية الأخرى التي تحرص على إيجاد قوة عظمى تكون بمثابة الضامن لأي إتفاق قد تقدم عليه مع الخصم وهذا قبل الدخول في تفاصيل بنود أي مشروع ، وهو ما فعله "جون قارانق" زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان مع حكومة الخرطوم عندما ضمن الإدارة الامريكية إلى صفه كضامن لأي إتفاق قد يقدم عليه ، بينما تسرعت "قيادتنا" في قبول مخطط بيكر رغم أن نتائجه ستبقى رهينة لمزاجية العدو المغربي الذي سيصبح بإمكانه التملص منها بكل سهولة كما تملص في إتفاقيات سابقة مع الجبهة منها إتفاقية هيوستن ومن قبلها إتفاقية "فك الحصار العسكري عن منطقة لمسايد" الذي تم برعاية جزائرية .

وبما أن موافقة القيادة بغض النظر عن شرعيتها يعتبر في أعين المجتمع الدولي كإلتزام من الدولة الصحراوية ، فإنه من واجب الجبهة الإحتياط لإنقاذ الموقف المأساوي الذي قد يسببه التاريخ الأسود لبعض قيادتها في ظل مخطط بيكر وذلك  إلا أنه بإمكان جبهة البوليساريو أن تتفادى هذا الوضع التصادمي مع المعارضة السياسية الناشئة ، وذلك بتعيين مسؤولين جدد في المناصب الحساسة يمتازون بنظافة ملفـاتهم الشخصـية من تهم جرائم الاغتيالات التي شهدتها البوليساريو في الماضي ، وهذا حتى تظهر جبهة البوليساريو للرأي العام الصحراوي وكأنها جبهة جديدة لا تتحمل أعباء القيادة السياسية السابقة، وهـو ما من شأنه أن يقلل من النزعة الثأرية لدى المتضررين من الحكم السابق، ومباشرة القيادة الجديدة لمشاورات مع كل الأطياف المكونة للساحة السياسية الصحراوية بما فيها المنشقين السابقين عن جبهة البوليساريو والمتعاونين مع سلطات الاحتلال ، وهذا لتفويت الفرصة على المملكة المغربية لاستغلال هذه الفئات كأساس للحملة الدعائية الإعلامية المغربية ، وهو ما سيمكن جبهة البوليساريو بعد إستمالة هذه الفئات من محاولة إختراق صفوف المستوطنين المغاربة وإغرائهم بمشاريع إدماجهم سياسيا وإجتماعيا كمواطنين صحراويين من الدرجة الثانية مستقبلا وذلك لكسب أصواتهم بعد خمس سنوات في عملية الاستفتاء .

 وبعد هذا السرد الوجيز لمخاطر مخطط بيكر علىالدولة الصحراوية فإن القيادة الصحراوية وهي بصدد الدخول وبالإجماع في مخطط بيكر الذي لا تدري مدى خطورته (وتلك مصيبة) أو تدري أنها لا تدري (والمصيبة أعظم) مدى خطورته الجدية على مستقبل دولتنا الفتية وهي بذلك تحاول تصحيح غلطة الاستفتاء سنة 1991 بورطة بيكر الجديدة وستكون أشبه في هذه الحالة بمن يقود البوليساريو إلى عملية غمار ستؤدي لا محالة إلى الإنتحار لكن ياللاسف أنها تمت مع سبق الإصرار .

PAGINA PRINCIPAL عودة الى الصفحة الرئيسية