الجيش الصحراوي واقع وتحديات


يحي محمد سالم / مقاتل من الناحية العسكرية السابعة
توطئة:
حين نبدأ في الكتابة عن الجيش ، فإن ملايين الكلمات المؤثرة لا الجامدة سوف تتهاوى وتجد آلاف الكلمات الخالدة أماكنا صلبة لها رغم زحام العبارات المليئة بالهيبة والكبرياء وسط سجل التاريخ الحافل بكثرة الملاحم التي لا يزال ذلك الإنسان الحر يصنع فصولها وهي ذات الانتصارات التي لا تبرح الذاكرة الجماعية لكل الصحراويين.
فالجيش هو تلك المنارة التي أضاءت سماء الساقية الحمراء رغم ظلمه المكان وظلم الاستعمار وإمتد وهجها حتى ادرار سطف إلى غاية واد الذهب.
الجيش.. تلك الروضة التي أنبتت ملايين الانتصارات بذوق العز والشرف وبطعم التمر والبلح ، وإستطاعت أن تكبح جماح كل تلك العواطف التي هبت منذ البداية ومن أكثر من إتجاه..!
الجيش الآن هو رمز العز في زمن الدنائة المباحة ونبض الحياة في زمن الإستحضار البطيء ووقع الديمومة في زمن التقوقع ، الآن ونحن نعيش واقع محزن آن للجميع أن يستذكر كيف كانت البداية علا ذلك يساعد في رسم صورة عن الغد.
الشلة تولد عزا:
لقد شكل الجيش الذي ولد من رحم إرادة الشعب ثمرة عز وكبرياء، نظرت ولادتها ثلة "الخنكة" لتعدوا بعد مضي أكثر من ربع قرن من الزمن إحدى أكبر الإنجازات التي صنعها الإنسان الصحراوي بمزيج لدمة وعرقه وبوهج دم الشهداء الأبرار.
فلقد شكل "الثوار" قاعدة صلبة لبناء هيكلي عسكري منظم له دراية بكل التكتيكات الحربية ويتمتع بقدرات قتالية مذهلة.
إن أسراب كتائب الدعم الشبانية التي تتابعت في الإنضمام إلى الجيش من أماكن الدراسة والعمل ومن الريف كان لها الدور الهام في تكريس واقع الانتصارات الميداني بكل تجلياته "فقلتة زمور" وزمول النيران وأبطيح والورقزيز والزال وغيرها الكثير، ليست مجرد تطبيق حرفي لوصفة حرب العصابات كما يقول خبراء الحرب بل كانت تنفيذا دقيقا للرؤية العسكرية الصحراوية الباهرة والتي تفردت بالعديد من الإكتشافات الحربية في الميدان وتحت وقع الرصاص.
ولا نتكشف سرا إن ذكرنا بأن أقربها للأذهان صورة هو حملهم لسلاح 23 ملم على ظهر سيارة مكشوفة.!..
ولعل واقع الهزيمة الذي فرضته إنتصارات الجيش الصحراوي على حكام الرباط ومن يستظل بظلالهم هو الذي أفرز دورا جديدا لإسرائيل في المنطقة ، فإسرائيل الباحثة عن وجود "آنذاك" والمتوددة لحكام الرباط دائما بوصفها العميل الجيد للأمريكان في المنطقة لم تتوقع أن يسبب ثوار مهما بلغ عددهم وتعدادهم حرجا من أي نوع كان للمغرب.!
واكتملت الصفقة بنقل الرباط وعلى الهواء مباشرة وقائع القمة العربية في الرباط إلى تل أبيب مقابل قيام الدولة العبرية بهندسية خط فاصل يمتد من حدود الصحراء الغربية الشمالية ويمر جنوبا حتى الحدود الجنوبية الشرقية ، وأسموه على إجماعهم بالجدار الفاصل وكأن الحاضر هو عودة للماضي…!.
غير أن عملية إستنساخ خط بارليف التي تمت تحت إشراف خبراء ميدان يهود لم تحقق ما حلم به حكام الرباط ، فتداعى الخط هادما أحلامهم في التراب ، عائدا بالخيبة والذل إلى أذهانهم وهو ما يكشفه عدد الأحزمة الستة التي أنشؤوها تباعا وتتابعا.
والأكيد هو أن الاقتصاد المغربي الذي عانى العديد من النكبات وهو المتضعضع أصلا قد أهلكته ميزانية الحرب وهي الميزانية التي ظلت في التزايد الطريد بسبب الانكسارات التي سببها الجيش الصحراوي لقواتهم في الميدان ، ولعل ذلك النصر هو ما يبرر إعتراف الدول متتالية بالجمهورية الصحراوية كبديل شرعي وقانوني للاحتلال المغربي للصحراء الغربية .
ولو لا الجيش أيضا لما امتلأت البطون بأصناف الشعير و"أم الكطون" ولما تهافتت الأجساد على إرتداء "أدجين" و"كمبانيا" ولما تسابقت الالسن في وصف النفخ والتبجح بإسمه على العارفين والمستغرقين.
ولو الجيش واقعا لما كتبت لنا الحياة ، إنها أخلص عبارة نواسي بها من كان حتى وقت قريب قبلة الجميع فاصبح بعد إنقضاء عشرية من التبن والرماد مشوها خاويا على عروشه.
88 من الصدمة إلى الهدنة …
لا شك أنه مع حلول العام 1988 تخلخل العالم كله بما تخلله من تغير يبدوا أنه استدام وبحكم أننا على الأرض فإن ذلك إنعكس علينا جليا ، وأقل ما يمكن قوله هو أن ظروفنا آنذاك جعلت الأمر يزداد سوءا على سوء لعوامل الخارجية .!
لقد كان لهزة 88 وقع الصدمة خاصة على أولئك الذين كانوا على بعد أمتار معدودة من فوهات مدافع الأعداء ، وصل فيه الشعور بالخيبة حتى لا نقول "الهزيمة"…!
والواقع أن الظروف "آنذاك" كلها كانت متأخرة علينا فالحليف يعيش وقتا عصيبا وحساسا والعالم كله مذعور تلتهمه الدهشة ينتظر سقوط تمثال إمبراطور الشرق.
فيما نحن نعيش على وقع واقعين متنافرين لمسات "التهدئة" في الداخل وكروكيات "الهدنة" في الخارج ولعل تداخل كل تلك الظروف وتشابكها في الزمن مع المكان هو ما عجل بتهاوي دور الجيش من خلال إعلان الهدنة.. هدنة حتى وإن كانت مبررة فإنها بشرت الجميع ببداية "تشرد" من نوع آخر.. تشرد تبدوا العودة منه أمرا مستحيلا فيما يظل الهروب إليه حلما ورديا مقنعا.
وعلى نقيض ذلك أخذت "بطون" المدمنين على الزعامة تتعالى وينتفخ القارقون في قهقهاتهم المقيتة يتسلون بلعبهم المعتاد…
لعب بدأ بتكسير جدران القيم وبالخسارة على المقدسات ولم ينتهي إلا عند حدود كسر العظم.
«لعبة كسر العظم» :
لقد شكلت عشرية الرماد الأخيرة سما سقيما مرا ومريرا فسنين الجمر الحالية لم تكتفي بأكل ما تبقى من إنتصاراتنا بل شاركها "مصاصوا خيرات الشعب" في أكل حتى أحلامنا وطموحاتنا.
وما زاد الطين بلة، هو ذلك التسابق المحموم على الزعامة تسابق أوجد مبررا للعب لكنه أوهن الجيش ضمن سياق التسابق.
لقد أراد أشباه الزعماء تحويل الجيش إلى مجرد شاهد "ماشاف شي حاجة" لخلق هامش واسع للتدخل والرفض والتهميش، بما يضمن دوام الحال على حاله.
وبينما يتسلى"الكبار" باللعب كان الجيش قد بدأ يعيش مرحلة حرجة.
تنهشه أظافر الخونة المدسوسين بشبحه منذ محاكمات "نفمبورغ المقاطعة" وتضعفه ظروف المرحلة التي تهدد القضية برمتها، فارتمى خارج السرب يواجه الموت وحيدا وسط صمت الجميع دون دهشتهم فيما "الكبار يتسامرون بلعبهم.
آخـــر توقــيع:
وعلى الرغم من أن مقاتلي الجيش يقفون الآن كما هو حال الكل أمام العديد من أبواب اللهيب بدأ بمستلزمات الزواج مرورا بحاجيات العائلة وإنتهاءا عند خطاب المرحلة ، إلا أن ذلك لايمكن أن يكون بأي شكل من الأشكال مدعى للتسليم بثقافة الخيبة. فلقد إتضح الآن بعد زوال غبار السنين العجاف أثر رالـي باريس داكار أن الجيش لا يزال ينبض بالحيوية رغم خمول الوضع
إن حال الجيش الآن ما هو إلا جزء من صورة الوضعية التي نحن عليها الآن وهي ذات الوضعية التي قد تقودنا إلى الهاوية ما لم يتم تدارك الوضع.
![]()