إن المتتبع للشؤون الداخلية والخارجية لجبهة البوليساريو لن يكلف نفسه عناء البحث عن الفوارق السياسية بين البوليساريو قبل تفاريتي والبوليساريو بعدها، وتوحي كل الدلائل أنه لا شيء تغير لا على الهيكل التنظيمي ولا على القاعدة الشعبية ولا حتى على المشروع الثوري الذي تتبناه الحركة .
فالرأس قبل تفاريتي هو نفسه الرأس المستفيد بعدها والساس قبل تفاريتي والمقلوب على أمره هو نفسه من سيدفع الثمن غاليا بعدها ، وعاد صناع القرار في البوليساريو إلى ممارست عادتهم السيئة القديمة والمتمثلة في سيناريو "خلطها تصفى" والذي إعتمدت في تجسيده على قانون لعبة الورق أو مايعرف شعبيا بلعبة "الكارطة" ، فبعد عملية الخلط الجيدة لأوراق الكارطة السياسية المحدودة والمحددة سلفا توزع بالتساوي على أعضاء القيادة القديمة الجديدة وهنا يلعب الحظ أو "السويرتي" دوره الأكبر في توزيع الحقائب الوزارية التي يراد منها إرضاء جميع أعضاء (اللوياجيرغا الصحراوية) وذلك كتقليد لإحدى أهم قواعد السياسة الداخلية الصحراوية (الدم المناسب في المكان المناسب)، وبذلك تحولت الحكومة الصحراوية إلى ما يشبه النسخة المطورة من مجلس "أيت اربعين" الذي كان سائدا في عصور غابرة .
والمثير للتساؤل كثيرا بعد تفاريتي هو الخطوة المفاجئة التي أقدمت عليها البوليساريو قبل ترتيب أوراقها الداخلية وحتى قبل التماثل للشفاء من الصداع الذي سببته لها منظمة "فرانس ليبرتي" لتدخل بعد تفاريتي مباشرة في شراكة مماثلة مع مؤسسة القذافي الخيرية ، وللإشارة إلى أن مؤسسة القذافي الخيرية نالت سمعتها الدولية عن طريق التوسط لدى بعض المنظمات المشبوهة دوليا والمتهمة بالإرهاب كاجماعة "أبوسياف" الفيليبينية وهو ما قد ينذر بإنطباق المثل الشعبي " أمع من شفتك شبهتك" على علاقة البوليساريو مع مؤسسة القذافي الخيرية، لكن نرجوا أن لا يساء فهم "قادتنا" وأن يؤخذ تصرفهم هذا مع أشباه هذه المنظمات على قدر مستوياتهم الفكرية (المتواضعة) لأن التعامل مع هكذا منظمات قد يجلب الكثير من التهم والشبهات إلى الدولة والقضية الصحراوية ، قد لا يضعها ساسة النظام الصحراوي الحالي في حساباتهم السياسية "البالية" ، خاصة وأنهم بصدد الدخول في مخطط بيكر الذي كان حوله الكثير من الخلاف بين قادتنا بين المؤيد والمعارض قبل مؤتمرهم الأخير في تفاريتي أما بعده فقد خرج الجميع بما فيه المعارضون سابقا راضين عن المخطط وكأن سيادة جيمس بيكر قد أجرى تعديلات على مشروعه "اللغز" تزامنا مع مؤتمر قيادتنا، لكن حقيقة الأمر أن المخطط لازال هو هو دون أي تعديل أو تنميق وهو ما يطرح المزيد من الإستفهام عن جدية المعارضة السابقة قبل تفاريتي التي تحولت إلى مهادنة ورضوخ للأمر الواقع بعدها، ومن سؤ حظ "قادتنا" كذلك أن جيمس بيكر تحول من مكلف بالملف الصحراوي قبل تفاريتي ليضاف إلى همومه ملف الديون العراقية بعدها وهذا بأمر من بوش وشتان بين إقتراحات كوفي عنان على بيكر و أوامر جورج بوش له.
وقبل الخروج من سيناريو "البوليساريو تفاريتي" لابد من التذكير بالمبادئ التي تأسست عليها مجلة المستقبل وهي تطفئ شمعتها الرابعة والمنادية بضرورة فتح المجال أمام حرية الرآي والتعبير في الدولة الصحراوية ومحاولة الخروج من الواقع السياسي الداخلي والذي يمتاز بالتكميم غير المباشر لكل الأقلام والأفواه الراغبة في التعبير عن رأيها بكل حرية ورهن ذلك التعبير بمهازل المؤتمرات الشعبية التي أجبرت المواطن العادي على الصبر عن الكلام مدة ثلاث أو أربع سنوات في إنتظار إنعقاد مؤتمر جديد حتى يتمكن من التعبير عن رأيه ، ليصدم في نهاية المطاف بأن صوته لم يخرج من جدران قاعة المؤتمر ، وهكذا تحتم عليه الصوم عن الكلام والتعبير في إنتظار إنعقاد مؤتمر جديد ، وكسرا لهذا الطابوه فقد فتحت المستقبل الصحراوي الباب واسعا أمام كل الراغبين في التعبير عن أرائهم الفكرية والسياسية بكل حرية شريطة الإلتزام تجاه المجتمع ومقدسات القضية الوطنية .
وتقول لكل الرافضين لهذا التوجه أنه ليس من حقهم أن يسألوا المستقبل لماذا تنتقدهم بل من الأفضل أن يسألوا أولا أنفسهم لماذا يفعلون ما سينتقدون عليه .
![]()