المؤتمر الحادي عشر بين حادثة المنصة ومخطط بيكر

سعيد زروال
يدخل المؤتمر الحادي عشر على جبهة البوليساريو وهي في وضع لا تحسد عليه داخليا وخارجيا، ويأتي هذا المؤتمر بعد الذكرى الثلاثين لإعلان الجمهورية الصحراوية ، والتي تميزت بالتمثيل الهابط من بعض الدول الصديقة والشقيقة والرفيقة و و و..الخ ، بالإضافة إلى ضعف التنظيم والذي تحكم فيه كثيرا مبدأ "السويرتي" ، إلا أن الملفت للانتباه هو الحادثة الغريبة المشابهة إلى حد ما لحادثة المنصة الشهيرة مع الرئيس المصري أنور السادات ، وكلنا يتذكر سيناريو تلك الحادثة التي أودت بحياة السادات في استعراضات رسمية لبعض التشكيلات العسكرية ، إلا أن عربة البوليساريو العسكرية التي توقفت دون سابق إنذار أمام المنصة الشرفية في الذكرى الثلاثين لإعلان الجمهورية تختلف كثيرا عن العربة المصرية، والفرق بين العربتين هو أن العربة المصرية توقفت لتصفية حسابات سياسية، بينما عربة البوليساريو توقفت بسبب قلة الصيانة التقنية الداخلية والخارجية ، شأنها في ذلك شأن الكثير من المؤسسات الرسمية في الدولة الصحراوية
إلا أن تلك العربة الصماء أرادت أن توجه رسائل مشفرة إلى صناع القرار في الدولة الصحراوية تؤكد لهم فيها عن عقم سياسة القفز إلى الأمام والاستمرار في تلميع ما تبقى من جسد النظام، وفق مبدا (الديباناج السياسي) الذي يغض الطرف عن الأوضاع السياسية الداخلية المزرية وعن المهازل الدبلوماسية الخارجية، ومن شأن التمادي في سياسة (الديباناج السياسي) هذه أن تعرض الجـبهة إلى منعطف خطير مشابه للذي تعرضت له البوليساريو سابقا عند الحجرة الكيلومترية 88 ، التي ستبقى راسخة في أذهان الكثيرين ممن هم في مقصورة القيادة، بسبب الانزلاق الخطير الذي كاد أن يعصف بالسيارة الأمامية للبوليساريو إلى الهاوية.
ويأتي المؤتمر الحادي عشر بعد ظهور مشروع بيكر الجــديد الذي سيكون بيت القصيد في أشغال المؤتمر الجديد، وما يلاحظ على حملات التطبيل والتصفيق الإعلامية التي صاحبت هذا المشروع وحاولت الترويج له في الساحة الشعبية الصحراوية ، هو التـــحول المفاجئ والمذهل في اللغة الخطابية للبوليساريو وتحولها من لغة خشبية مبنية على مبادئ مثالية إلى لغة واقعية تتلاءم والتطورات الدولية ، وهو تغير إيجابي يصب لا محالة في صالح القضية، ولكن يا للأسف ان هذا التحول جاء بعد فوات الأوان ، لأن العالم لم يتغير عام 2003 حسب الرواية الرسمية للبوليساريو بل تغير منذ إنهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين ، بل تنبأ البعض بذلك التحول منذ 1985 أي بعد وصول غورباتشوف إلى سدة الحكم في الاتحاد السوفييتي السابق ، وقد بقيت جبهة البوليساريو بمعزل عن هذا التحول في السياسة الدولية وهي بذلك تلعب دور "أصحاب الكهف" في القرن الواحد والعشرين ، فأولي الامر عندنا إستمروا في سباتهم العميق ولم يحركو ساكنا طوال سنينهم الماضية، وربما يرجع ذلك إلى عواقب الجلطة الدماغية التي أصيبوا بها عام 1988، ورغم أن الشفاء من تلك الجلطة يعتبر حافزا قويا لتصحيح وترقيع وتجميع ما تبقى من النظام الحاكم ، إلا أن أولى الأمر عندنا سبحو عكس التيار، وهو ما انعكس سلبا على الساحة الداخلية ، فالبيروقراطية بلغت زروتها والتسبب السياسي بلغ حد لا يطاق والمعرفة أصبحت فوق القانون ، وأستبدل الشخص المناسب في المكان المناسب بالدم المناسب في المكان المناسب.
والقضية الوطنية أصبحت من عاشر إهتمامات السلطة الرسمية بعدما دخلت عليها مفاهيم أكثر ربحا ومردودية كا ( التبتيب ) والمصالح الشخصية ، ودخل مخطط بيكر الجديد ليخلط كل الأوراق على السلطة الحاكمة في الدولة الصحراوية ، هذه السلطة المكونة من أناس لا يخطئون وإن أخطأو لا يسألون وإن سؤلوا لا يأبهون ووصلت قلت أخطائهم قبل "جلطتهم الدماغية"حد العصمة من الأخطاء الأدمية ، إلا أن تجربتهم الفاشلة مع ما أصبح يعرف با"معضلة الاستفتاء" والذي صوره لنا أشباه المحللين بأنه أقصر الطرق إلى الإستقلال ، إلا أنه ومنذ واحد وتسعين ونحن ندور في حلقة مفرغة من التأجيل والتمديد والتأخير..إلخ ، حتى تحول الاستفتاء من وسيلة لحل المشكـــــلة إلى مشكل قائم بذاته ، ويبدوا أن الدخول إلى مخطط بيكر بنفس الأفكار والأشخاص والأعمال سيؤدي بالبوليساريو إلى نفق مسدود يختلف كثيرا عن نفق الاستفتاء ، والذي لا نسمع بتأجيلاته المتكررة إلا عبر وكالات الأنباء العالمية وقد يلهينا عن سماع تلك التأجيلات المتكررة سياسة"التبتيب" نظرا لأسهمها المرتفعة في القاعدة الشعبية والرسمية إذا ما قورنت بأسهم القضية الوطنية ، إلا أن مخطط بيكر سيختلف كثيرا عن مبدأ" يا (دار مادخلك شر) الذي إعتدنا عليه مع الاستفتاء في إطار سياسة "اليوم، أصبح اليوم أصبح" .
ورغم إيماننا الراسخ بأن المؤتمر الجديد لن يختلف عن المؤتمرات السابقة اللــــهم في الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولتي لا تعبر عن أي مواقف سياسية بقدر ما تراعي فيها المحسنات البيانية والبديعية وحسن الغافية، أو في أسماء الشهداء والذين لو عرفوا ماذا فعل رؤوس الخلف بعد رحيل السلف ، لا ستأذنوا من قبورهم وخرجوا من لائحة السلف لتصحيح ما أتلف رؤوس الخلف ، وبمناسبة المؤتمر الجديد نوجه تهانينا المســـــبقة إلى الـــقيادة القديمة الجديدة وتعازينا إلى من سيدفعون ثمن السياسات المجترة والفاشلة في القاعدة الشعبية ، ونقول كل مؤتمر وقيادة (الشبعة) عفوا الجبهة بألف خير.
![]()